لماذا تتعدد الأديان وما سبب الاختلاف بين أتباعها2-2
ان عملية تتابع الأديان هي ضرورة حضارية إنسانية ورحمة مستمرة من الله لا تنقطع تنزل من السماء (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(10) وعناية قصوى بالبشر، فالرزق الإلهي يأتي من السماء على يد رسل الله، وما هذا الرزق الا الكتب السماوية والشرائع الإلهية والأوامر والنواهي الغيبية، وليس كما يعتقد البعض بأن الرزق الذي في السماء هو المطر الذي ينزل على الارض ويخرج الزرع، ولا كما يصوره المسيحيون بخصوص العشاء الرباني الأخير الذي يدّعون انه نزل من السماء ويرسمونه في لوحاتهم حيث السيد المسيح(ع) يجلس مع تلامذته الحواريين تتوسطهم مائدة غذائية ممتدة عامرة بأشهى المأكولات! فالسماء ليست مجرد عدة أميال تعلو رؤوسنا كما اعتقد السلف، بل هي محيطة بكرة الأرض من جميع الاتجاهات. ان أفضل رزق ينزل من السماء على البشر هو الآيات الإلهية والهدى الرباني، و(خير الزاد هو التقوى)، هذا هو الرزق الذي في السماء وما توعدون، أما الرزق المادي مثل الأكل والشرب والمال وغيره فيأتي من الأرض ومن عمل الإنسان.
ان تكرار نزول الشرائع السماوية هو شكل من أشكال الرحمة والعناية والألطاف الإلهية المستمرة ولا يمكن ان تكون سببا لاختلاف البشر، لأن الله مصدر كل خير، وما هذه البلايا والمحن المنهمرة، الا بسبب عناد البشر وإصرارهم على النكران والكفر، وبسبب هذا الكفر يختلف أصحاب الديانات الجديدة مع أصحاب الديانات القديمة وأصحاب المذاهب والفرق، فيحصل القتال والخراب وحرق المدن وترميل النساء وتحليل الدماء وغير ذلك من المصائب التي يشهد عليها التاريخ.
هنا يبرز السؤال المحير: أي الأديان أو المذاهب هي الحق؟ وكيف نتأكد ان هذا الدين هو الحق والأخير من عند الله، رغم ادعاء جميع اتباع الديانات والمذاهب الموجودة أن دينهم أو مذهبهم هو الحق ولا دين أو مذهب بعده؟
ان جواب هذا السؤال لائح واضح في الكتب المقدسة. ولنبدأ أولا بالآيات التي يمكن بها تمييز الحق عن الباطل. حيث جاء في الإنجيل: [احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة ان تصنع أثماراً جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. فإذاً من أثمارهم تعرفونهم.](11).
ان المقصود من الشجرة هنا فهو الإنسان، ومن الشجرة الرديّة مدّعي النبوة، ومن الشجرة الجيدة هو النبي الصادق. والمعنى هو ان رسل الله الحق يمكن معرفتهم وتمييزهم من كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم ومبادئهم الراقية السامية، بينما لا يستطيع غيرهم مجاراتهم في ذلك مهما فعلوا، وفي النهاية يفشلون ويتسببون في خراب المجتمعات ودمارها.
وجاء في القرآن الكريم: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)(12)، ومن معاني هذه الآية ان من يدعي كذباً وبهتاناً انه رسول من عند الله سبحانه وتعالى وان قوله قول الله، لا يمكن لادعائه البقاء والدوام، فلابد وان ينكشف أمره وينمحي أثره. أما الديانة الإلهية الحقيقية فتبقى وتستمر ويعلو شأنها.
ان رسل الله الحق يشهدون ويؤيد بعضهم بعضاً رغم اختلاف أماكن ظهورهم وتباعد أزمنتها واختلاف لغاتهم، فمثلا ورد في الإنجيل: [إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حقٌ](13)، وليس المقصود من الآخر في هذه الآية الا النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يظهر شخص بعد سيدنا عيسى(ع) ادعى الرسالة والنبوة من عند الله وشهد بصدق دعوة المسيح(ع)، إلا سيدنا محمد(ص). كذلك ورد في الإنجيل في حق تصديق موسى(ع) ما يلي: [ لا تظنوا اني أشكوكم الى الأب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي](14).
ومن الأدلة الأخرى على تصديق كل رسول حق لمن جاء قبله من الرسل والأنبياء، ورد في القرآن الكريم في ذكر سيدنا موسى(ع) وتصديق دعوته. فقد جاء ذكره 136 مرة، وجاء ذكر سيدنا عيسى وتصديق دعوته 25 مرة. فلا شهادة أعظم من شهادة رسول من الله لرسول آخر وإقراره بصدق دعوته، فهو أفضل شاهد وخير الشهود، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(15).
قد يهلل بعض من يقرأ هذه الآيات ويفرح بها، فهي تعطيه دفعاً في أحقية معتقده. لكنه قد يتجهم عند الدخول في الجزء الثاني من هذا الموضوع، وهو ختم الرسالات وعدم نزول أمر جديد بعدها. فكل أتباع الديانات المختلفة يقولون بقول واحد، هو ان رسالتهم هي آخر الرسالات وليس هناك رسول بعد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ